أخبار مهمةالأوقافالخطبة المسموعةخطبة الأسبوعخطبة الجمعةخطبة الجمعة القادمة ، خطبة الجمعة القادمة لوزارة الأوقاف المصرية مكتوبة word pdfزاد الأئمةعاجل

زاد الأئمة : الإصدار (43) الإِصْدَارُ الثَّالث وَالْأَرْبَعُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ

"تحميل خطبة الجمعة القادمة 'منزلة الشهيد' ضمن سلسلة زاد الأئمة والخطباء (الإصدار 43) ليوم 23 رمضان 1447هـ. مادة علمية شاملة للخطباء بصيغة PDF ووورد."

زاد الأئمة : وزارة الأوقاف تعلن رسميا عن الإِصْدَارُ الثَّالث وَالْأَرْبَعُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ الجمعة ٢٣ رمضان ١٤٤٧هـ ١٣-٠٣-٢٠٢٦م

لتحميل الإِصْدَارُ الثَّالث وَالْأَرْبَعُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ، بصيغة WORD

لتحميل الإِصْدَارُ الثَّالث وَالْأَرْبَعُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ  ، بصيغة pdf

الإِصْدَارُ الثَّالث وَالْأَرْبَعُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِالجمعة ٢٣ رمضان ١٤٤٧هـ ١٣-٠٣-٢٠٢٦م

الإصدار (43) من سلسلة ” زاد الأئمة والخطباء: الدليل الإرشادي لخطب الجمعة”

استمراراً لما انتهجته وزارة الأوقاف مؤخراً من التيسير على السادة الأئمة والخطباء ودعماً لنماء زادهم العلمي والفكري والمعرفي نقدم هذا الإصدار من تلك السلسلة التي هي عبارة عن بحث موسع يجمع الشواهد والمعاني التي يمكن للخطيب أن يديم النظر فيها طوال الأسبوع، لتعينه على الإعداد الجيد لخطبته، وإتقان تناوله للموضوع، وزيادة عمقه وأصالته، وربط نصوص الشريعة بالواقع المعيش، حتى إذا صدرت الخطبة في موعدها المعتاد يوم الأربعاء من كل الأسبوع في صورتها النهائية المركزة المختصرة، يكون الخطيب قد هضم موضوعه وخالطه وعايشه، بما يحقق استيعاب الخطبة النهائية وأداءها على النحو المأمول.

وتهيب وزارة الأوقاف بكل أبنائها إلى التوسع في القراءة الواعية المستوعبة لكل ميادين الحياة واهتماماتها، وامتلاك الثقافة الواسعة التي تعينهم على أداء دورهم الديني الوطني على أكمل وجه.

ولقراءة زاد الأئمة والخطباء.. لـ خطبة الجمعة القادمة :

 

الإِصْدَارُ الثَّالث وَالْأَرْبَعُونَ: سِلْسِلَةُ زَادِ الْأَئِمَّةِ وَالْخُطَبَاءِ

مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ

الجمعة ٢٣ رمضان ١٤٤٧هـ ١٣-٠٣-٢٠٢٦م

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الخُطْبَةُ الأُولَى: مَنْزِلَةُ الشَّهِيدِ

الهَدَفُ: بَيَانُ فَضْلِ الشَّهَادَةِ وَمَنْزِلَةِ الشُّهَدَاءِ، وَإِبْرَازُ الدَّوْرِ العَظِيمِ الَّذِي قَامَ بِهِ شُهَدَاءُ مِصْرَ الأَبْرَارُ فَنَالُوا شَرَفَ الشَّهَادَةِ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ

الهَدَفُ: دَعْوَةُ جُمْهُورِ المَسْجِدِ إِلَى إِدْرَاكِ مَكَانَةِ لَيْلَةِ القَدْرِ وَأَنَّهَا لَيْلَةُ الكَرَمِ الإِلَهِيِّ.

الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأُصَلِّي وَأُسَلِّمُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الشَّهَادَةَ مَنْزِلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَرَجَةٌ عَالِيَةٌ، يَصْطَفِي اللَّهُ تَعَالَى لَهَا الْخُلَّصَ مِنْ عِبَادِهِ الَّذِينَ اجْتَبَاهُمْ وَسَبَقَتْ لَهُمْ مِنْهُ الْحُسْنَى؛ وَهِيَ أَعْظَمُ بُرْهَانٍ يُقَدِّمُهُ الْعَبْدُ عَلَى صِدْقِ إِيمَانِهِ وَيَقِينِهِ، فَيَبْذُلُ رُوحَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي سَبِيلِ وَطَنِهِ وَعِرْضِهِ وَمُقَدَّسَاتِهِ؛ تَصْدِيقًا بِوَعْدِ اللَّهِ وَطَلَبًا لِلْقُرْبِ مِنْهُ.

إِنَّ الأَوْطَانَ لَا تُصَانُ بِالْكَلِمَاتِ وَحْدَهَا، وَلَا تُحْفَظُ بِالْآمَالِ الْمُجَرَّدَةِ، وَإِنَّمَا يَحْفَظُهَا رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ، رِجَالٌ جَعَلُوا أَرْوَاحَهُمْ دِرْعًا يَحْمِي الْأَرْضَ وَالْعِرْضَ، فَكَانُوا مِثَالًا لِلْفِدَاءِ وَالتَّضْحِيَةِ، وَهُنَا نَتَذَكَّرُ بِكُلِّ فَخْرٍ وَاعْتِزَازٍ شُهَدَاءَ مِصْرَ الْأَبْرَارَ الَّذِينَ قَدَّمُوا أَرْوَاحَهُمْ دِفَاعًا عَنْ وَطَنِهِمْ، وَحِمَايَةً لِأَمْنِهِ وَاسْتِقْرَارِهِ.

لَقَدْ وَقَفَ هَؤُلَاءِ الْأَبْطَالُ فِي وَجْهِ الْإِرْهَابِ وَالْعُدْوَانِ، وَضَرَبُوا أَرْوَعَ الْأَمْثِلَةِ فِي الشَّجَاعَةِ وَالْبَسَالَةِ، فَاخْتَارَهُمُ اللَّهُ لِنَيْلِ هَذَا الشَّرَفِ الْعَظِيمِ؛ شَرَفِ الشَّهَادَةِ، فَامْتَزَجَتْ دِمَاؤُهُمْ بِتُرَابِ الْوَطَنِ الطَّاهِرِ، لِتَكْتُبَ صَفَحَاتٍ مُضِيئَةً فِي تَارِيخِ مِصْرَ، وَلِتَبْقَى تَضْحِيَاتُهُمْ مَنَارَةً لِلْأَجْيَالِ الْقَادِمَةِ.

سِرُّ اخْتِيَارِ لَفْظِ الشَّهِيدِ وَدَلَالَاتُهُ:

إِنَّ مَادَّةَ الشِّينِ وَالْهَاءِ وَالدَّالِ أَصْلٌ يَدُلُّ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى حُضُورٍ، وَعِلْمٍ، وَإِعْلَامٍ، وَهُوَ سِرُّ اخْتِيَارِ لَفْظِ الشَّهِيدِ لِمَنْ فَقَدَ رُوحَهُ فِدَاءً لِدِينِهِ أَوْ لِوَطَنِهِ، فَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ الشَّهَادَةَ لَفْظًا وَمَعْنًى، فَلَفْظُ الشَّهِيدِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ وَإِنْ فَارَقَتْ رُوحُهُ جَسَدَهُ فِي سَبِيلِ دِينِهِ وَوَطَنِهِ إِلَّا أَنَّ لَهُ الْحُضُورَ وَالْعِلْمَ فَهُوَ شَاهِدٌ وَشَهِيدٌ، فَشَاهِدٌ وَشَهِيدٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ، مِثْلُ عَالِمٍ وَعَلِيمٍ، وَنَاصِرٍ وَنَصِيرٍ، وَهُمْ شُهَدَاءُ لِأَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ، فَكَأَنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَاهِدَةٌ أَيْ حَاضِرَةٌ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ.

 * وَلِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ عِنْدَ خُرُوجِ أَرْوَاحِهِمْ مَا أَعَدَّ اللَّهُ تَعَالَى لَهُمْ مِنَ الْكَرَامَةِ.

 * وَلِأَنَّهُمْ يُشْهَدُ لَهُمْ بِالْأَمَانِ مِنَ النَّارِ.

 * وَلِأَنَّهُمْ لَا يَشْهَدُونَ عِنْدَ مَوْتِهِمْ إِلَّا مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ.

 * وَلِأَنَّهُمْ أَوَّلُ مَنْ يَشْهَدُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ فَهُمْ أَوَّلُ شُهَدَاءِ النَّاسِ.

 * وَلِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَشْهَدُ لَهُمْ بِحُسْنِ الْخَاتِمَةِ.

 * وَلِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ تَشْهَدُ لَهُمْ بِحُسْنِ الِاتِّبَاعِ.

 * وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَشْهَدُ لَهُمْ بِحُسْنِ نِيَّتِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ إِذْ قَدَّمُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ جَلَّ جَلَالُهُ.

 * وَلِأَنَّهُمْ عِنْدَ الشَّهَادَةِ يُشَاهِدُونَ الْمَلَكُوتَ مِنْ دَارِ الدُّنْيَا وَدَارِ الْآخِرَةِ. [فَتْحُ الْبَارِي].

الْجَنَابُ النَّبَوِيُّ الْمُعَظَّمُ وَتَمَنِّي الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ الْحَقِّ:

إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَتَمَنَّاهُ الْمَرْءُ أَنْ يُرْزَقَ الشَّهَادَةَ وَمَنْزِلَةَ الشُّهَدَاءِ، وَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ مَعَ مَنْزِلَتِهِ الْعَالِيَةِ يَتَمَنَّى أَجْرَ الشَّهَادَةِ، فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي “صَحِيحِهِ” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا أَنَّ رِجَالًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنِّي، وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُهُمْ عَلَيْهِ، مَا تَخَلَّفْتُ عَنْ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْتُ أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ، ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ».

وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، إِلَّا الشَّهِيدُ؛ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ؛ فَإِنَّهُ يَسُرُّهُ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرَّةً أُخْرَى» [صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ].

وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي “صَحِيحِهِ” وَاللَّفْظُ لَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ مُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ جُرِحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ جُرْحًا، جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ، وَلَوْنُهُ لَوْنُ الزَّعْفَرَانِ، وَعَلَيْهِ طَابَعُ الشُّهَدَاءِ، وَمَنْ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى الشَّهَادَةَ مُخْلِصًا أُعْطِيَ أَجْرَ شَهِيدٍ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ».

طَلَبُ الشَّهَادَةِ لَا يَعْنِي تَمَنِّي لِقَاءَ الْعَدُوِّ:

إِنَّ الْمُؤْمِنَ الصَّادِقَ يَتَمَنَّى الشَّهَادَةَ لِحُصُولِ مَنْزِلَةِ الشَّهَادَةِ وَدَرَجَتِهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَكِنَّهُ فِي الْوَقْتِ ذَاتِهِ لَا يَسْعَى إِلَى تَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ، فَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّنَا دُعَاةُ حَرْبٍ أَوْ قِتَالٍ أَوْ أَنَّنَا نَتَمَنَّى الْقِتَالَ أَوْ نَطْلُبُهُ، فَلَيْسَ مِنَ الْمَطْلُوبِ شَرْعًا وَلَا عَقْلًا تَمَنِّي لِقَاءَ الْعَدُوِّ قَطُّ، بَلْ شَأْنُنَا الْبُعْدُ عَنْ ذَلِكَ مَا اسْتَطَعْنَا إِلَى ذَلِكَ سَبِيلًا، وَإِشَاعَةُ السَّلْمِ مِنْ أَهَمِّ مَطَالِبِ الشَّرِيعَةِ، وَلَا يَسْعَى الْمُسْلِمُ إِلَى إِشْعَالِ فَتِيلِ الْحَرْبِ، بَلِ الْمُسْلِمُ مَأْمُورٌ بِإِشَاعَةِ السَّلَامِ وَالطُّمَأْنِينَةِ مَعَ كُلِّ الْخَلْقِ، وَأَنْ يَسْلُكَ فِي ذَلِكَ كُلَّ السُّبُلِ، وَمِنْ ثَمَّ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ، وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاصْبِرُوا» [رَوَاهُ الشَّيْخَانِ].

وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ: أَنَّ الْعَبْدَ قَدْ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ اللِّقَاءِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ فِتْنَةٌ، وَرُبَّمَا لَا يَعْلَمُ آثَارَ الْحَرْبِ الْمُسْتَقْبَلِيَّةَ فَيَنْدَمُ بَعْدَ ذَلِكَ، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ، وَالطَّبَرِيِّ بِقَوْلِهِ: «فَإِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ فِي ذَلِكَ»؛ أَيْ: فِي لِقَاءِ الْعَدُوِّ.

فَأَمَّا إِذَا اعْتُدِيَ عَلَى الدِّينِ وَالْوَطَنِ فَوَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَكُونَ شُجَاعًا جَسُورًا فِي الدِّفَاعِ عَنْ دِينِهِ وَمُقَدَّرَاتِهِ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللِّقَاءِ ثَابِتًا قَوِيًّا مَهِيبًا مُوقِنًا بِمَوْعُودِ اللَّهِ تَعَالَى.

فَتَمَنِّي لِقَاءِ الْعَدُوِّ إِنَّمَا يَكُونُ فِي صَدِّ مُوَاجَهَةِ الْمُعْتَدِينَ، الَّذِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَنَالُوا مِنْ دِينِنَا وَوَطَنِنَا، أَوْ أَنْ يَعْتَدُوا عَلَى مُقَدَّسَاتِنَا، فَلَا بُدَّ مِنْ إِظْهَارِ حَمِيَّةِ الْمُؤْمِنِ فِي الدِّفَاعِ عَنْ دِينِهِ وَوَطَنِهِ، وَأَنْ يَكُونَ ثَابِتًا كَالْجَبَلِ أَمَامَ عَدُوِّهِ، وَبِهِ يَحْصُلُ التَّشَبُّهُ بِالشُّهَدَاءِ.

الشَّهَادَةُ أَفْضَلُ مَا يُعْطَاهُ الْأَخْيَارُ:

رَوَى النَّسَائِيُّ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إِلَى الصَّلَاةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا، فَقَالَ حِينَ انْتَهَى إِلَى الصَّفِّ: اللَّهُمَّ آتِنِي أَفْضَلَ مَا تُؤْتِي عِبَادَكَ الصَّالِحِينَ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ: «مَنِ الْمُتَكَلِّمُ آنِفًا؟» قَالَ: أَنَا، قَالَ: «إِذَنْ يُعْقَرُ

جَوَادُكَ، وَتُسْتَشْهَدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «مَا يَجِدُ الشَّهِيدُ مِنْ مَسِّ الْقَتْلِ إِلَّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسِّ الْقَرْصَةِ» [رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ]

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالْبَيْهَقِيُّ، عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ لِلشَّهِيدِ خِصَالًا: يُغْفَرُ لَهُ فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ، وَيُرَى مَقْعَدُهُ مِنَ الْجَنَّةِ، وَتَحُلُّ عَلَيْهِ حُلَّةُ الْإِيمَانِ، وَيُجَارُ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَيَأْمَنُ يَوْمَ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ، وَيُوضَعُ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ؛ الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَيُزَوَّجُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ زَوْجَةً مِنَ الْحُورِ الْعِينِ، وَيُشَفَّعُ فِي سَبْعِينَ إِنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ».

الشُّهَدَاءُ هُمْ أَهْلُ التِّجَارَةِ الرَّابِحَةِ:

قَالَ تَعَالَى: {إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التَّوْبَةِ: 111].

فَانْظُرْ كَيْفَ فَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى بَيْعَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ إِيَّاهُ بِمُقَاتَلَتِهِمْ لِلْمُعْتَدِينَ الظَّالِمِينَ؛ إِمَّا أَنْ يَظْفَرَ الْمُؤْمِنُ بِهَزِيمَةِ عَدُوِّهِ، وَإِمَّا أَنْ يُسْتَشْهَدَ هُوَ دِفَاعًا عَنْ دِينِهِ وَوَطَنِهِ، أَوْ بِسَبَبِ إِصَابَةِ نَفْسِهِ بِسِلَاحِهِ خَطَأً فِي قِتَالِهِمْ، أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ.

فَمَنْ اسْتُشْهِدَ بِفِعْلِ نَفْسِهِ أَثْنَاءَ الْمَعْرَكَةِ عَلَى سَبِيلِ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، بَلْ لَهُ أَجْرَانِ لِمَا فِي “الصَّحِيحَيْنِ” عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى خَيْبَرَ، فَكَانَ سَيْفُ عَامِرٍ بِهِ قِصَرٌ، فَتَنَاوَلَ بِهِ سَاقَ يَهُودِيٍّ لِيَضْرِبَهُ، فَرَجَعَ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ رُكْبَةَ عَامِرٍ، فَمَاتَ مِنْهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! زَعَمُوا أَنَّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ؟ قَالَ: «مَنْ قَالَ؟ كَذَبَ مَنْ قَالَ، إِنَّ لَهُ لَأَجْرَيْنِ؛ إِنَّهُ لَمُجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ».

وَإِنَّمَا لَمْ يَكُنْ قَتْلُهُ لِنَفْسِهِ مُحْبِطًا لِعَمَلِهِ كَمَا زَعَمُوا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَمَّدْ قَتْلَ نَفْسِهِ، بَلْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الْخَطَأِ.

وَفِي “صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ” عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدَّهَا اللَّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللَّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ؛ فَإِنَّهُ أَوْسَطُ الْجَنَّةِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ، وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ، وَمِنْهُ تَفَجَّرُ أَنْهَارُ الْجَنَّةِ».

وَرَوَى مُسْلِمٌ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «يَا أَبَا سَعِيدٍ! مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا، وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ»، قَالَ: فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ، فَقَالَ: أَعِدْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، فَفَعَلَ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَخَصْلَةٌ أُخْرَى يَرْفَعُ اللَّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ، مَا بَيْنَ كُلِّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ»، فَقَالَ: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».

فَاللَّهُمَّ ارْزُقْنَا شَهَادَةً فِي سَبِيلِكَ، وَارْحَمْ شُهَدَاءَنَا، وَأَلْحِقْنَا بِهِمْ عَلَى خَيْرٍ، وَاحْفَظْ بِلَادَنَا مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ وَسُوءٍ، وَالْطُفْ بِنَا فِيمَا جَرَتْ بِهِ الْمَقَادِيرُ آمِينَ.

الخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ: سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ

قَالَ الْإِمَامُ الْمَاوَرْدِيُّ: “وَفِي تَسْمِيَتِهَا لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِيهَا إِنْزَالَ الْقُرْآنِ، الثَّانِي: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَدِّرُ فِيهَا أُمُورَ السَّنَةِ، أَيْ: يَقْضِيهَا، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ مُجَاهِدٍ، الثَّالِثُ: لِعِظَمِ قَدْرِهَا وَجَلَالَةِ خَطَرِهَا، مِنْ قَوْلِهِمْ: رَجُلٌ لَهُ قَدْرٌ، ذَكَرَهُ ابْنُ عِيسَى، الرَّابِعُ: لِأَنَّ لِلطَّاعَاتِ فِيهَا قَدْرًا عَظِيمًا وَثَوَابًا جَزِيلًا” [النُّكَتُ وَالْعُيُونُ].

وَأَضَافَ الْإِمَامُ الْقُرْطُبِيُّ وُجُوهًا أُخْرَى، فَقَالَ: ” … وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَدْرٌ وَلَا خَطَرٌ يَصِيرُ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ ذَا قَدْرٍ إِذَا أَحْيَاهَا، وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ أَنْزَلَ فِيهَا كِتَابًا ذَا قَدْرٍ، عَلَى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، عَلَى أُمَّةٍ ذَاتِ قَدْرٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّهُ يَنْزِلُ فِيهَا مَلَائِكَةٌ ذَوُو قَدْرٍ وَخَطَرٍ، وَقِيلَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُنْزِلُ فِيهَا الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ وَالْمَغْفِرَةَ، وَقَالَ سَهْلٌ: سُمِّيَتْ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَ فِيهَا الرَّحْمَةَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَقَالَ الْخَلِيلُ: لِأَنَّ الْأَرْضَ تَضِيقُ فِيهَا بِالْمَلَائِكَةِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} [الطَّلَاقِ: 7] أَيْ: ضُيِّقَ” [الْجَامِعُ لِأَحْكَامِ الْقُرْآنِ].

فَهِيَ لَيْلَةٌ ذَاتُ قَدْرٍ عَظِيمٍ، نَزَلَ فِيهَا كِتَابٌ ذُو قَدْرٍ، عَلَى رَسُولٍ ذِي قَدْرٍ، لِأُمَّةٍ ذَاتِ قَدْرٍ، يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: {وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [الْقَدْرِ: 2 – 3].

وَهِيَ لَيْلَةُ التَّقْدِيرِ تُكْتَبُ أَقْدَارُ الْعَامِ الْقَادِمِ. يُكْتَبُ مَنْ يَعِيشُ وَمَنْ يَمُوتُ، مَنْ يَسْعَدُ وَمَنْ يَشْقَى، وَمَنْ يُرْزَقُ وَمَنْ يُحْرَمُ. يَقُولُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الدُّخَانِ: {فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ} [الدُّخَانِ: 4].

تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ وَالْحِكْمَةُ مِنْ ذَلِكَ:

إِنَّ نُزُولَ الْمَلَائِكَةِ يَمْلَأُ الْأَرْضَ بِالسَّكِينَةِ وَالرَّحْمَةِ، قَالَ تَعَالَى: {تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ} [الْقَدْرِ: 4]، وَالرُّوحُ هُوَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ، يَنْزِلُونَ بِكُلِّ أَمْرٍ قَضَاهُ اللَّهُ، وَتَظَلُّ هَذِهِ اللَّيْلَةُ “سَلَامًا”؛ أَيْ سَالِمَةً مِنْ كُلِّ شَرٍّ وَأَذًى، لَا يُقَدَّرُ فِيهَا إِلَّا السَّلَامَةُ وَالْخَيْرُ وَالرَّحْمَةُ، وَيَسْلَمُ فِيهَا الْمُؤْمِنُونَ مِنْ عَذَابِ النَّارِ بِتَوْبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَزَالُ هَذَا السَّلَامُ وَالسَّكِينَةُ وَالْعِتْقُ مِنَ النِّيرَانِ مُمْتَدًّا حَتَّى يُؤَذَّنَ الْفَجْرُ.

يَقُولُ الْحَافِظُ ابْنُ كَثِيرٍ: “يَكْثُرُ تَنَزُّلُ الْمَلَائِكَةِ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ؛ لِكَثْرَةِ بَرَكَتِهَا، وَالْمَلَائِكَةُ يَتَنَزَّلُونَ مَعَ تَنَزُّلِ الْبَرَكَةِ وَالرَّحْمَةِ، كَمَا يَتَنَزَّلُونَ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ، وَيُحِيطُونَ بِحِلَقِ الذِّكْرِ، وَيَضَعُونَ أَجْنِحَتَهُمْ لِطَالِبِ الْعِلْمِ بِصِدْقٍ تَعْظِيمًا لَهُ” [تَفْسِيرُ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ].

وَقَالَ الْعَلَّامَةُ ابْنُ عَاشُورٍ: “… وَظَاهِرٌ أَنَّ تَنَزُّلَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَرْضِ وَنُزُولَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى الْأَرْضِ لِأَجَلِ الْبَرَكَاتِ الَّتِي تَحُفُّهُمْ، وَالرُّوحُ: هُوَ جِبْرِيلُ، أَيْ: يَنْزِلُ جِبْرِيلُ فِي الْمَلَائِكَةِ، وَمَعْنَى {بِإِذْنِ رَبِّهِمْ}: أَنَّ هَذَا التَّنَزُّلَ كَرَامَةٌ أَكْرَمَ اللَّهُ بِهَا الْمُسْلِمِينَ؛ بِأَنْ أَنْزَلَ لَهُمْ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ جَمَاعَاتٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ وَفِيهِمْ أَشْرَفُهُمْ، وَكَانَ نُزُولُ جِبْرِيلَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ؛ لِيَعُودَ عَلَيْهَا مِنَ الْفَضْلِ مِثْلُ الَّذِي حَصَلَ فِي مُمَاثَلَتِهَا الْأُولَى لَيْلَةَ نُزُولِهِ بِالْوَحْيِ فِي غَارِ حِرَاءَ، وَفِي هَذَا أَصْلٌ لِإِقَامَةِ الْمَوَاكِبِ لِإِحْيَاءِ ذِكْرَى أَيَّامِ مَجْدِ الْإِسْلَامِ وَفَضْلِهِ، وَأَنَّ مَنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ فِي أَصْلِ تِلْكَ الذِّكْرَى يَنْبَغِي أَنْ لَا يَخْلُوَ عَنْهُ مَوْكِبُ الْبَهْجَةِ بِتَذْكَارِهَا…” [التَّحْرِيرُ وَالتَّنْوِيرُ].

لَيْلَةُ سَلَامٍ وَاطْمِئْنَانٍ:

قَالَ تَعَالَى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [الْقَدْرِ: 5]، قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ: “وَالسَّلَامُ: مَصْدَرٌ أَوْ اسْمُ مَصْدَرٍ مَعْنَاهُ السَّلَامَةُ، … وَيُطْلَقُ السَّلَامُ عَلَى التَّحِيَّةِ وَالْمِدْحَةِ، وَفُسِّرَ السَّلَامُ بِالْخَيْرِ، وَالْمَعْنَيَانِ حَاصِلَانِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ، فَالسَّلَامَةُ تَشْمَلُ كُلَّ خَيْرٍ؛ لِأَنَّ الْخَيْرَ سَلَامَةٌ مِنَ الشَّرِّ وَمِنَ الْأَذَى، فَيَشْمَلُ السَّلَامُ الْغُفْرَانَ، وَإِجْزَالَ الثَّوَابِ، وَاسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ بِخَيْرِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالسَّلَامُ بِمَعْنَى التَّحِيَّةِ، وَالْقَوْلُ الْحَسَنُ مُرَادٌ بِهِ: ثَنَاءُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى أَهْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ كَدَأْبِهِمْ مَعَ أَهْلِ الْجَنَّةِ، … وَتَنْكِيرُ {سَلَامٌ}؛ لِلتَّعْظِيمِ”.

وَقَالَ الْمَاتُرِيدِيُّ: “قِيلَ: تَنْزِلُ الْمَلَائِكَةُ: تَخْفِقُ بِأَجْنِحَتِهَا بِالسَّلَامِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى وَالرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَةِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيْ: هِيَ لَيْلَةٌ سَالِمَةٌ، لَا يَحْدُثُ فِيهَا شَرٌّ، وَلَا يُرْسَلُ فِيهَا شَيْطَانٌ إِلَى مَطْلَعِ الْفَجْرِ”.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: “هُوَ سَلَامُ الْمَلَائِكَةِ، أَيْ: تُسَلِّمُ الْمَلَائِكَةُ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ”.

وَقَالَ بَعْضُهُمْ: “مِنْ كُلِّ أَمْرٍ سَلَامٌ، أَيْ: مِنْ كُلِّ آفَةٍ وَبَلَاءٍ سَلَامٌ”.

وَعَنِ الشَّعْبِيِّ، فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [الْقَدْرِ: 5]، قَالَ: “تَسْلِيمُ الْمَلَائِكَةِ لَيْلَةَ الْقَدْرِ عَلَى أَهْلِ الْمَسَاجِدِ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ” (فَضَائِلُ الْأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ).

قَالَ بَدْرُ الدِّينِ الْعَيْنِيُّ: “لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِيهَا يُفْشَى السَّلَامُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [الْقَدْرِ: 5]، قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مَا هِيَ إِلَّا سَلَامٌ لِكَثْرَةِ مَا يُسَلِّمُونَ، أَيْ: الْمَلَائِكَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَقِيلُ: لَا يَلْقَوْنَ مُؤْمِنًا وَلَا مُؤْمِنَةً إِلَّا سَلَّمُوا عَلَيْهِ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ” [عُمْدَةُ الْقَارِي، وَالْكَشَّافُ].

وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: “هِيَ لَيْلَةٌ يُسَلِّمُ فِيهَا الْمَلَائِكَةُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي مَسَاجِدِهِمْ، يَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ يَقُولُونَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الْقَائِمُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا الرَّاكِعُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا السَّاجِدُ، سَلَامٌ عَلَى الْقَائِمِينَ وَالطَّائِعِينَ”.

قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيُّ: رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ: “أَنَّهُمْ يَنْزِلُونَ لِيُسَلِّمُوا عَلَيْنَا وَلِيَشْفَعُوا لَنَا فَمَنْ أَصَابَتْهُ التَّسْلِيمَةُ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ” [تَفْسِيرُ الرَّازِيِّ].

حَالُ الصَّالِحِينَ وَالْعَابِدِينَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ:

1- التَّزَيُّنُ وَالتَّطَيُّبُ:

كَانَ السَّلَفُ يَغْتَسِلُونَ وَيَتَطَيَّبُونَ وَيَلْبَسُونَ أَحْسَنَ الثِّيَابِ فِي اللَّيَالِي الَّتِي يُرْجَى فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، رُوِيَ عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ حُلَّةٌ (ثَوْبٌ ثَمِينٌ) اشْتَرَاهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، كَانَ يَلْبَسُهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرْجَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَعْظِيمًا لَهَا.

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: “وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَتَأَهَّبُونَ لَهَا، فَكَانَ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ حُلَّةٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ يَلْبَسُهَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي يُرْجَى أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ، وَكَانَ ثَابِتٌ وَحُمَيْدٌ يَغْتَسِلَانِ وَيَتَطَيَّبَانِ وَيَلْبَسَانِ أَحْسَنَ ثِيَابِهِمَا وَيُطَيِّبَانِ مَسَاجِدَهُمَا فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ. وَوَاللَّهِ مَا يَغْلُو فِي طَلَبِهَا عَشْرٌ، لَا وَاللَّهِ وَلَا شَهْرٌ، لَا وَاللَّهِ وَلَا دَهْرٌ، فَاجْتَهِدُوا فِي الطَّلَبِ فَرُبَّ مُجْتَهِدٍ أَصَابَ”. [التَّبْصِرَةُ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ].

2- إِطَالَةُ الْقِيَامِ وَالتَّبَتُّلِ:

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ دَخَلَ رَمَضَانُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ، مَنْ حُرِمَهَا فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ، وَلَا يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلَّا مَحْرُومٌ» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِسَنَدٍ حَسَنٍ].

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ].

قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ: “هَذَا مَعَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ: «مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ» قَدْ يُقَالُ: إِنَّ أَحَدَهُمَا يُغْنِي عَنِ الْآخَرِ، وَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالُ: قِيَامُ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَعْرِفَتِهَا سَبَبٌ لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ، وَقِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِمَنْ وَافَقَهَا وَعَرَفَهَا سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرَهَا” [شَرْحُ النَّوَوِيِّ عَلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ].

يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ: “يَا مَنْ ضَاعَ عُمْرُهُ فِي لَا شَيْءٍ، اسْتَدْرِكْ مَا فَاتَكَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ، فَإِنَّهَا تُحْسَبُ بِالْعُمْرِ” [لَطَائِفُ الْمَعَارِفِ].

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، قَالَ: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا يُرَى ظَاهِرُهَا مِنْ بَاطِنِهَا وَبَاطِنُهَا مِنْ ظَاهِرِهَا» فَقَالَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْعَرِيُّ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَبَاتَ قَائِمًا وَالنَّاسُ نِيَامٌ» [الْمُسْتَدْرَكُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ].

3- الدُّعَاءُ:

عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَرَأَيْتَ إِنْ وَافَقْتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ مَا أَدْعُو؟ قَالَ: «تَقُولِينَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي» [رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ].

وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا سَأَلَ الْعِبَادُ شَيْئًا أَفْضَلَ مِنْ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ وَيُعَافِيَهُمْ» [رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي “مُسْنَدِهِ”].

قَالَ النَّوَوِيُّ: “قَالَ أَصْحَابُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ: يُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ فِيهَا مِنْ هَذَا الدُّعَاءِ، وَيُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ، وَسَائِرُ الْأَذْكَارِ وَالدَّعَوَاتِ الْمُسْتَحَبَّةِ فِي الْمَوَاطِنِ الشَّرِيفَةِ، وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُكْثِرَ فِيهَا مِنَ الدَّعَوَاتِ بِمُهِمَّاتِ الْمُسْلِمِينَ، فَهَذَا شِعَارُ الصَّالِحِينَ، وَدَأْبُ عِبَادِ اللَّهِ الْعَارِفِينَ، قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: أَسْتَحِبُّ أَنْ يَكُونَ اجْتِهَادُهُ فِي يَوْمِهَا كَاجْتِهَادِهِ فِي لَيْلَتِهَا” [الْأَذْكَارُ لِلْإِمَامِ النَّوَوِيِّ].

قَالَ الْإِمَامُ الْبَيْهَقِيُّ: “طَلَبُ الْعَفْوِ مِنَ اللَّهِ مُسْتَحَبٌّ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ، وَخَاصَّةً فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ، ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: “سَمِعْتُ أَبَا عُثْمَانَ سَعِيدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ كَثِيرًا يَقُولُ فِي مَجْلِسِهِ، وَفِي غَيْرِ الْمَجْلِسِ: “عَفْوَكَ يَا عَفُوُّ عَفْوَكَ، وَفِي الْمَحْيَا عَفْوَكَ، وَفِي الْمَمَاتِ عَفْوَكَ، وَفِي الْقُبُورِ عَفْوَكَ، وَعِنْدَ النُّشُورِ عَفْوَكَ، وَعِنْدَ تَطَايُرِ الصُّحُفِ عَفْوَكَ، وَفِي الْقِيَامَةِ عَفْوَكَ، وَفِي مُنَاقَشَةِ الْحِسَابِ عَفْوَكَ، وَعِنْدَ مَمَرِّ الصِّرَاطِ عَفْوَكَ، وَعِنْدَ الْمِيزَانِ عَفْوَكَ، وَفِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ عَفْوَكَ يَا عَفُوُّ عَفْوَكَ”، قَالَ أَبُو عَمْرٍو: فَرُئِيَ أَبُو عُثْمَانَ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ فَقِيلَ لَهُ: مَاذَا انْتَفَعْتَ مِنْ أَعْمَالِكَ؟ قَالَ: “بِقَوْلِي: عَفْوَكَ عَفْوَكَ” [رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي “فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ”، وَ”شُعَبِ الْإِيمَانِ”].

4- صِلَةُ الْأَرْحَامِ:

جَاءَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إِنَّ اللَّهَ يَنْظُرُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَعْفُو عَنْهُمْ وَيَرْحَمُهُمْ؛ إِلَّا أَرْبَعَةً: مُدْمِنَ خَمْرٍ، وَعَاقًّا، وَمُشَاحِنًا، وَقَاطِعَ رَحِمٍ» [لَطَائِفُ الْمَعَارِفِ].

5- قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ:

عَنْ حُسَيْنِ بْنِ عَمْرٍو الْعَنْقَزِيِّ قَالَ: لَمَّا نَزَلَ بِابْنِ إِدْرِيسَ الْمَوْتُ بَكَتِ ابْنَتُهُ فَقَالَ: “لَا تَبْكِي فَقَدْ خَتَمْتُ الْقُرْآنَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَرْبَعَةَ آلَافِ خَتْمَةٍ” [صِفَةُ الصَّفْوَةِ].

“كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ، وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ: أَنَّهُ كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ، فَإِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ خَتَمَ فِي لَيْلَتَيْنِ، كَانَ سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ” [الطَّبَقَاتُ الْكُبْرَى وَغَيْرُهَا].

أَخْفَى اللَّهُ أَشْيَاءَ فِي أَشْيَاءَ:

قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: “قَالَ الْعُلَمَاءُ: الْحِكْمَةُ فِي إِخْفَاءِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ لِيَحْصُلَ الِاجْتِهَادُ فِي الْتِمَاسِهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ عُيِّنَتْ لَهَا لَيْلَةٌ لَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا كَمَا فِي سَاعَةِ الْجُمُعَةِ” [فَتْحُ الْبَارِي].

قَالَ الْبَغَوِيُّ: “أَبْهَمَ اللَّهُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ؛ لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعِبَادَةِ لَيَالِيَ رَمَضَانَ طَمَعًا فِي إِدْرَاكِهَا، كَمَا أَخْفَى سَاعَةَ الْإِجَابَةِ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَأَخْفَى الصَّلَاةَ الْوُسْطَى فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ، وَاسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي الْأَسْمَاءِ، وَرِضَاهُ فِي الطَّاعَاتِ؛ لِيَرْغَبُوا فِي جَمِيعِهَا، وَسَخَطَهُ فِي الْمَعَاصِي؛ لِيَنْتَهُوا عَنْ جَمِيعِهَا، وَأَخْفَى قِيَامَ السَّاعَةِ؛ لِيَجْتَهِدُوا فِي الطَّاعَاتِ حَذَرًا مِنْ قِيَامِهَا” [مَعَالِمُ التَّنْزِيلِ].

لَيْلَةُ الْقَدْرِ تَعْوِيضٌ لِلْعُمْرِ:

عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ “أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ، فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنَ الْعَمَلِ مِثْلَ مَا بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ، فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ” [فَضَائِلُ الْأَوْقَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ].

عَنْ مُجَاهِدٍ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ، فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ} [الْقَدْرِ: 1] إِلَى قَوْلِهِ: {خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ} [الْقَدْرِ: 3] الَّتِي لَبِسَ فِيهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ” [الْبَيْهَقِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَوْقَاتِ].

وَعَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ كَعْبٍ قَالَ: “إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ مِنَ الشُّهُورِ شَهْرَ رَمَضَانَ، وَاخْتَارَ مِنَ الْبِلَادِ مَكَّةَ، وَاخْتَارَ مِنَ الْأَيَّامِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَاخْتَارَ مِنَ اللَّيَالِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَاخْتَارَ السَّاعَاتِ فَخَيْرُ السَّاعَاتِ لِلصَّلَوَاتِ، فَالْمُؤْمِنُ بَيْنَ حَسَنَتَيْنِ فَحَسَنَةٌ قَضَاهَا، وَأُخْرَى يَنْتَظِرُهَا”. [حِلْيَةُ الْأَوْلِيَاءِ].

جَائِزَةُ الرَّبِّ:

عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَتَى عَلَيْهِ شَهْرُ رَمَضَانَ صَحِيحًا مُسْلِمًا، صَامَ نَهَارَهُ، وَصَلَّى وِرْدًا مِنْ لَيْلِهِ، وَغَضَّ بَصَرَهُ، وَحَفِظَ فَرْجَهُ وَلِسَانَهُ وَيَدَهُ، وَحَافَظَ عَلَى صَلَاتِهِ مَجْمُوعَةً، وَبَكَّرَ إِلَى جُمَعِهِ، فَقَدْ صَامَ الشَّهْرَ، وَاسْتَكْمَلَ الْأَجْرَ، وَأَدْرَكَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ، وَفَازَ بِجَائِزَةِ الرَّبِّ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: “جَائِزَةٌ لَا تُشْبِهُ جَوَائِزَ الْأُمَرَاءِ” [رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي فَضَائِلِ رَمَضَانَ].

وَعَنِ الضَّحَّاكِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: ” فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ … تُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ كُلُّهَا، وَيَقْبَلُ اللَّهُ فِيهَا التَّوْبَةَ لِكُلِّ تَائِبٍ، فَلِذَلِكَ قَالَ: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ} [الْقَدْرِ: 5]”.

إِجْرَاءَاتٌ عَمَلِيَّةٌ لِلْفَوْزِ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ:

 * إِحْيَاءُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ، فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا دَخَلَتِ الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ؛ فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَزِيدَ مِنَ الصَّلَاةِ وَالْقِيَامِ وَالذِّكْرِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ.

 * تَحَرِّي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي اللَّيَالِي الْوِتْرِيَّةِ، فَهِيَ أَرْجَى مَا تَكُونُ فِي الْوِتْرِ مِنَ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ؛ كَلَيَالِي: الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ، وَالثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ، وَالْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ، وَالسَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ، وَالتَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ.

* الْإِكْثَارُ مِنَ الدُّعَاءِ، وَأَفْضَلُ مَا يُدْعَى بِهِ مَا عَلَّمَهُ النَّبِيُّ ﷺ لِلسَّيِّدَةِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّي».

 * إِحْيَاءُ الْقَلْبِ بِتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ، فَلَيْلَةُ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَمِنْ أَعْظَمِ مَا يُوَافِقُ رُوحَهَا الْإِقْبَالُ عَلَى كِتَابِ اللَّهِ قِرَاءَةً وَتَدَبُّرًا.

 * الْإِكْثَارُ مِنَ الذِّكْرِ وَالِاسْتِغْفَارِ، فَذِكْرُ اللَّهِ حَيَاةٌ لِلْقُلُوبِ، وَالِاسْتِغْفَارُ سَبَبٌ لِنُزُولِ الرَّحْمَةِ وَمَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ.

 * الْحِرْصُ عَلَى صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ، سَوَاءٌ فِي الْفُرُوضِ أَوْ التَّرَاوِيحِ وَالْقِيَامِ مَعَ الْإِمَامِ، فَمَنْ قَامَ مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ كُتِبَ لَهُ قِيَامُ لَيْلَةٍ كَامِلَةٍ.

 * الِاعْتِكَافُ لِمَنْ تَيَسَّرَ لَهُ، فَالِاعْتِكَافُ مِنَ السُّنَنِ الْعَظِيمَةِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، وَفِيهِ انْقِطَاعٌ عَنْ شَوَاغِلِ الدُّنْيَا وَتَفَرُّغٌ كَامِلٌ لِلْعِبَادَةِ.

 * إِصْلَاحُ النِّيَّةِ وَإِخْلَاصُ الْعَمَلِ لِلَّهِ، فَالْقَبُولُ عِنْدَ اللَّهِ مَبْنِيٌّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ، لَا عَلَى كَثْرَةِ الْعَمَلِ وَحْدَهَا.

 * الْإِحْسَانُ إِلَى الْخَلْقِ وَالصَّدَقَةُ، فَالصَّدَقَةُ فِي هَذِهِ اللَّيَالِي الْمُبَارَكَةِ أَعْظَمُ أَجْرًا، وَهِيَ مِنْ أَسْبَابِ مُضَاعَفَةِ الْحَسَنَاتِ.

 * اغْتِنَامُ الْوَقْتِ وَاجْتِنَابُ الْمُلْهِيَاتِ، فَيَنْبَغِي تَقْلِيلُ الِانْشِغَالِ بِوَسَائِلِ اللَّهْوِ وَالْحَدِيثِ غَيْرِ النَّافِعِ، حَتَّى لَا تَضِيعَ سَاعَاتُ هَذِهِ اللَّيَالِي الْمُبَارَكَةِ.

مَرَاجِعُ لِلِاسْتِزَادَةِ:

 * فَضَائِلُ الْأَوْقَاتِ، لِلْبَيْهَقِيِّ.

 * إِتْحَافُ النُّبَلَاءِ بِفَضْلِ الشَّهَادَةِ وَأَنْوَاعِ الشُّهَدَاءِ، لِلسَّيِّدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الصِّدِّيقِ الْغُمَارِيِّ.

____________________________________

للإطلاع علي قسم خطبة الجمعة القادمة

وللإطلاع علي قسم خطبة الجمعة

تابعنا علي الفيس بوك

الخطبة المسموعة علي اليوتيوب

وللإطلاع علي قسم خطبة الجمعة باللغات

للإطلاع ومتابعة قسم خطبة الأسبوع و خطبة الجمعة القادمة

للمزيد عن أخبار الأوقاف

وللمزيد عن أسئلة امتحانات وزارة الأوقاف

للمزيد عن مسابقات الأوقاف

  • خطبة الجمعة القادمة.

  • منزلة الشهيد في الإسلام.

  • زاد الأئمة والخطباء الإصدار 43.

  • خطبة 23 رمضان 1447.

  • تحميل خطبة الجمعة PDF.

اظهر المزيد

admin

مجلس إدارة الجريدة الدكتور أحمد رمضان الشيخ محمد القطاوي رئيس التحريـر: د. أحمد رمضان (Editor-in-Chief: Dr. Ahmed Ramadan) تليفون (phone) : 01008222553  فيس بوك (Facebook): https://www.facebook.com/Dr.Ahmed.Ramadn تويتر (Twitter): https://twitter.com/DRAhmad_Ramadan الأستاذ محمد القطاوي: المدير العام ومسئول الدعم الفني بالجريدة. الحاصل علي دورات كثيرة في الدعم الفني والهندسي للمواقع وإنشاء المواقع وحاصل علي الليسانس من جامعة الأزهر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم خدمة أكيسميت للتقليل من البريد المزعجة. اعرف المزيد عن كيفية التعامل مع بيانات التعليقات الخاصة بك processed.

زر الذهاب إلى الأعلى